الخطيب الشربيني

646

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

طلقت إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتا ، فقال له المنصور : ما لك لا تتكلم ، فقال الرجل : بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ إلى قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن الأشياء ، ولا شيء أحسن منه ، فقال المنصور لعيسى : الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك ، فأرسل المنصور إليها أطيعي زوجك فما طلقك . وهذا يدل على أنّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى ولذلك قيل : إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات اجتمع فيه . ثُمَّ رَدَدْناهُ أي : بعض أفراداه بما لنا من القدرة الكاملة أَسْفَلَ سافِلِينَ أي : إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله ، والسافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال ، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعا لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا ، فقوس ظهره بعد اعتداله ، وأبيض شعره بعد اسوداده ، وكل بصره وسمعه وكانا حديدين ، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف وصوته خفات وقوّته ضعف وشهامته خرف . وقيل : ثم رددناه إلى النار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض . فقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا أي : تصديقا لدعواهم الإيمان الصَّالِحاتِ أي : الطاعات استثناء متصل على الثاني على أنّ المعنى : رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا يعني : أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة ، وهم أهل النار وأسفل من سفل من أهل الدركات . فالاتصال على هذا واضح ، وعلى الأوّل منقطع ، أي : لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فَلَهُمْ أي : فتسبب عن ذلك أن كان لهم أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي : ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم وصبرهم على ابتلاء الله تعالى لهم بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم وفي الحديث : « إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل » « 1 » . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إلا الذين قرؤوا القرآن ، وقال : من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر . ثم قال تعالى إلزاما للحجة : فَما يُكَذِّبُكَ أي : أيها الإنسان الكافر بَعْدُ أي : بعد ما ذكر من خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يستوي ويكمل ويصير في أحسن تقويم ، ثم يردّ إلى أرذل العمر الدال على القدرة على البعث ، فيقول : إنّ الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني فما سبب تكذيبك أيها الإنسان بِالدِّينِ أي : الجزاء بعد هذا الدليل القاطع . وقيل : الخطاب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى هذا يكون المعنى : فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء أو البعث بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت وقوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ أي : الملك الأعظم على ما له من صفات الكمال بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ أي : بأقضى القاضين . وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله . وفي الحديث : « من قرأ التين إلى آخرها فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » « 2 » . وقول البيضاوي تبعا للزمخشريّ : عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة والتين أعطاه الله تعالى خصلتين العافية واليقين ما دام في دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة » « 3 » حديث موضوع .

--> ( 1 ) أخرجه بلفظ قريب منه البخاري في الجهاد حديث 2996 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 249 . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 780 .